اتصل بنا اعلى الصفحة الرجوع الى الصفحة السابقة الصفحة الرئيسية

الثورات في عين الإمامة

شرعية الثورات لدى الإمام السجاد عليه السلام


 جاسم الحائري       

jassem_71@yahoo.com

ريثما استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) ظهر عاشوراء فتحت في سجل التاريخ صفحة مهمة ما زالت أصداؤها وآثارها الفعالة تتماوج في نفوس الشيعة الموالين الذين أخذوا يثأرون ضد الطغاة في كل مكان، مقتدين بالثوار المخلصين الذين طالبوا بدم سيد الشهداء (عليه السلام) حتى انتقموا من قتلته وأتباعهم.

نعم، فقد عاش الشيعة الموالون مرحلة جديدة ألا وهي مرحلة الانتفاضة والثورة ضد الأمويين الذين خالفوا أحكام الإسلام علناً وعطّلوا كل ما أقامه رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله) طيلة دعوته المباركة.

وفي مثل هذه الفترة قامت أكثر من ثورة ضد الأمويين ولكل منها كان للإمام زين العابدين (عليه السلام) موقف خاص حسب الظروف آنذاك وطبق الأهداف والمبادئ التي كانت تلك الثورات تدعو إليها.

لذلك وجدنا من الجدير أن نسلط الأضواء على دور الإمام السجاد (عليه السلام) إزاء هذه الثورات، وهل أنه (عليه السلام) بعد شهادة أبيه (عليه السلام) بقي منعزلاً عن القضايا السياسية كما يعبر البعض، أم أنه كان يتابع الأحداث عن كثب ويوصل كل ما يريده إلى الثوار ولكن بطريقته الخاصة ودون أن تعلم السلطات في عصره؟

 

تربية المجتمع

إن المجتمع الذي عاصره الإمام السجاد (عليه السلام) كان متأثراً بأفعال بني أمية ضائعاً لا بعرف الحقائق؛ جرّاء جور سلاطينهم الطغاة الذين عاثوا في البلاد الفساد وتحكموا بمصائر العباد. في مثل تلك الظروف الحالكة ولكي يصل المجتمع الإسلامي آنذاك إلى حقيقة انحراف حكام بني أمية كان الناس بحاجة إلى مَن يرشدهم ويزيل غفلتهم.

وهذا ما قام به الإمام السجاد عليه السلام، فقد أخذ يربي المجتمع ويغرس في أعماقه الحقائق والموازين الإسلامية، ويتوجه الناس بشكل لا إرادي إلى أن القيادة الحقيقية ليست لبني أمية وإنما هي لأهل البيت عليهم السلام.

وبالفعل فقد غرس الإمام السجاد (عليه السلام) المفاهيم الإسلامية في مجتمعه بحيث أخذ الناس ينتفضون ويثورون ضد حكام بني أمية الطغاة، فمن بين تلك المفاهيم هي:

 

1. مفهوم الإمامة: حيث بقي الإمام (عليه السلام) يؤكد أنّ الإمامة والقيادة ليست من المناصب العادية وإنما هي منصب إلهي يختاره الله لمَن اصطفى من عباده، وبالتالي يكتشف الناس زيف كل مَن لم يتصف بشرائطها وصفاتها، ففي الحديث أن أبا حمزة الثمالي قال له: {الأئمة يعلمون ما نضمر؟ فقال عليه السلام: علمت والله ما علمت الأنبياء والرسل، ثم قال: أزيدك بأنا نزود ما لم تزود الأنبياء} (معاني الأخبار، ص31).

وقال شيخ من الكوفة: رأيت علي بن الحسين (عليه السلام) بمِنى، فقال عليه السلام: {ممن الرجل؟ فقلت: رجل من أهل العراق.

 فقال لي: يا أخا أهل العراق أما لو كنت عندنا بالمدينة لأريناك مواطن جبرئيل من دورنا استقانا الناس العلم، فتراهم علموا وجهلنا؟!} (بصائر الدرجات، ص32).

وأشار (عليه السلام) إلى وجوب اتّباعهم والتسليم إليهم في الأمور كلها فقال: {فمَن سلم لنا سلم، ومَن اقتدى بنا هدي، ومَن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومَن وجد في نفسه شيئاً مما نقوله أو نقص به حرجاً كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم}.

مجمل هذه الأمور جعلت الناس يلتفتون إلى أن بني أمية ليسوا سوى غصبة لمنصب القيادة، تطاولوا على أهل البيت (عليهم السلام) بالقوة والبطش وسلبوهم حقهم الذي أولاهم الباري تعالى إياه.

 

2. مبغوضية الظلم: كما أخذ الإمام السجاد (عليه السلام) يعري بني أمية من قداستهم الزائفة ويكشف للناس حقيقتهم السوداء، وهي أنهم ليسوا إلاّ من شر الظلمة الطغاة، وتتجلى هذه الحقيقة في عدة مواطن منها: عندما وقف (عليه السلام) قبال ابن زياد مواقفه البطولية وكشف لأهل الكوفة حقيقة بطشه وفساده وكيف أنه ذهب بخزي الدنيا وعار الآخرة بقتله سيد شباب أهل الجنة عليه السلام.

ناهيك عن موقفه قبال يزيد الطاغية حيث إنه (عليه السلام) أزاح القناع عن وجهه ودكّ أركان سلطته في عقر داره، وذلك خلال خطبته الشريفة التي ألقاها في قصر يزيد.

بالإضافة إلى ذلك بقي الإمام (عليه السلام) يعمق عظم المأساة في نفوس الناس عبر كشف وحشية يزيد وبني أمية الذين لم يرحموا آل الرسول (صلى الله عليه وآله) في كربلاء.

فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: {إن جدي علي بن الحسين بكى على أبيه عشرين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى. وعذله بعض مواليه فقال له: إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين. فقال عليه السلام: يا هذا إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون، إن يعقوب كان نبياً فغيّب الله عنه واحداً من أولاده، وعنده اثنا عشر ولداً، وهو يعلم أنه حي، فبكى عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن، وإني نظرت إلى أبي وإخوتي وعمومتي، وصحبتي، مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني؟ وإني لا أذكر مصرع ابن فاطمة إلا خنقتني العبرة، وإذا نظرت إلى عماتي وأخواتي ذكرت فرارهن من خيمة إلى خيمة} (مقتل الحسين عليه السلام، للمقرم، ص47).

وينقل الرواة: أنه عليه السلام {كان إذا أخذ الماء ليشرب بكى، فقيل له في ذلك، فقال: كيف لا أبكي، وقد منع أبي من الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش} (بحار الأنوار ج46، ص108).

 

3. الجماهيرية: أما المفهوم الثالث الذي ظل الإمام السجاد يعمقه في نفوس الناس فهو مفهوم جماهيرية القيادة الرشيدة ومعايشتها للأمة في مختلف ظروفها والتأكيد على معاشرة الناس وحل مشاكلهم المستعصية التي تعصف بهم بين الفترة والأخرى، الأمر الذي جعلهم يلتفون حوله (عليه السلام) عفوياً ويحتوشونه طيلة حياته المباركة. وبالمقابل فإنهم أخذوا ينقمون على بني أمية الذين اعتزلوا الناس وانشغلوا بمفاسدهم وملذاتهم الدنيوية دون أن يفكروا بأحد.

فقد كان منْزل الإمام (عليه السلام) مفتوحاً ليل نهار لا يقصده طالب حاجة إلاّ وتقضى ولو كان ألد أعدائه، بل إنه كان بنفسه يخرج لتفقد المحتاجين.

فعن أبي جعفر أنه - الإمام السجاد عليه السلام - كان يخرج في الليلة الظلماء، فيحمل الجراب على ظهره حتى يأتي باباً باباً، فيقرعه ثم يناول مَن كان يخرج إليه، وكان يغطّي وجهه إذا ناول فقيراً لئلاّ يعرفه. (بحار الأنوار ج46، ص89).

وفي خبر أنه (عليه السلام) إذا جنّه الليل وهدأت العيون قام إلى منْزله فجمع ما بقي فيه عن قوت أهله وجعله في جراب ويرمي به على عاتقه وخرج إلى دور الفقراء وهو متلثم ويفرق عليهم، وكثيراً ما كانوا قياماً على أبوابهم ينتظرونه فإذا رأوه تباشروا به وقالوا جاء صاحب الجراب (المصدر نفسه).

وكان إذا انقضى الشتاء تصدّق بكسوته، وإذا انقضى الصيف تصدّق بكسوته. وعن عمر بن دينار قال: {حضرت زيد بن أسامة الوفاة فجعل يبكي، فقال له علي بن الحسين: ما يبكيك؟ قال: يبكيني أن عليَّ خمسة عشر ألف دينار، ولم أترك لها وفاءً، فقال له علي بن الحسين عليه السلام: لا تبك فهي عليَّ وأنت بريء منها، فقضاها عنه} (بحار الأنوار ج46، ص56).

ونقل أنه (عليه السلام) كفل في واقعة الحرة 400 عائلة كانت تعيش تحت رعايته حتى دُفع البلاء عن أهل المدينة، وقد بلغ من اجتهاده (عليه السلام) وسعيه من أجل الفقراء والمحتاجين أنه لما مات وجدوا على ظهره كآثار البعير، ولما سألوا الإمام الباقر (عليه السلام) عنه، قال: هذا أثر الجراب الذي كان يحمله كل يوم للفقراء.

 

4. التربية الإيمانية: حيث أخذ الإمام السجاد (عليه السلام) يربي الناس على الاتصال بالله تعالى والعمل بشكل حثيث على تربية النفس وصقلها من رواسب الذنوب، فقدّم للأمة صحيفته السجادية المليئة بالأدعية والمناجاة التي تهذب النفوس وتعلَّم العباد كيف يتوسلون بالله تعالى.

وبهذه الكيفية المتقنة استطاع الإمام (عليه السلام) أن يكوّن قاعدة جماهيرية واسعة كانت على أهبة الاستعداد للثورة والانتقام من بني أمية وأتباعهم إلاّ أنه (عليه السلام) لحكمته البالغة لم يستخدم المواجهة العلنية وإنما مهّد للثورات وفتح الباب للثوار وجعلهم على بينة من أمرهم إزاء حكومة بني أمية، ولذلك فقد توالت الثورات في حياته (عليه السلام) بكثرة ومنها:

 

ثورة أهل المدينة

لما رأى أهل المدينة جور بني أمية وطغيان يزيد ثاروا ضد واليه في المدينة وطردوه منها، فبعث إليهم بالسفاك مسلم بن عقبة فاستباح المدينة ثلاثاً، وهدم الكعبة بعد أن أحرقها بالنار.

مقابل ثورة كهذه لزم الإمام السجاد (عليه السلام) موقف الصمت ولم يصرح بما يؤيدها أبداً. وهنا يطرح السؤال التالي: لماذا اتّخذ الإمام زين العابدين (عليه السلام) مثل هذا الموقف مع حاجة الناس الماسة لتأييده الذي كان يغير الموازين قطعاً؟

قبل الإجابة على السؤال ينبغي الالتفات إلى أن مجرد عدم مذمة الإمام أو اعتراضه على الثورة مع تأثيرها الجلي على الأمة ربما يكشف عن رضاه عنها، وإلاّ لزم أن يتخذ الإمام (عليه السلام) موقفاً صريحاً منها، كما اتّخذ الإمام الصادق (عليه السلام) موقفاً من دعوة أبي مسلم الخراساني حيث أحرق رسالته التي أرسلها إليه والتي يدعوه فيها لقيادة الحركة العباسية.